ابن المقفع
161
آثار ابن المقفع
إشفاقا « 1 » من أن يلتطخ بشيء من أمر أخيه وحذرا عليه ، وكان به مرض فهاج به مرضه ومات . فانطلق هذا الشعهر إلى دمنة فأخبره بموت كليلة فبكى وحزن وقال : ما أصنع بالدنيا بعد مفارقة الأخ الصفي « 2 » ؟ وأحر قلباه « 3 » ، إن الإنسان إذا ابتلي ببلية أتاه الشر من كل جانب واكتنفه « 4 » الهم والحزن من كل مكان . ولكن أحمد اللّه تعالى إذ لم يمت كليلة حتى أبقى لي من ذوي قرابتي « 5 » أخا مثلك . فإني وثقت بنعمة اللّه تعالى وإحسانه إليّ فيما رأيت من اهتمامك بي ومراعاتك لي ، وقد علمت أنك رجائي وركني « 6 » فيما انا فيه ؛ فأريد من إنعامك ان تنطلق إلى مكان كذا فتنظر إلى ما جمعته انا وأخي بحيلتنا وسعينا ومشيئة اللّه تعالى فتأتيني به . ففعل الشعهر ما امره به دمنة . فلما وضع المال يين يديه أعطاه شطره « 7 » وقال له : إنك على الدخول والخروج على الأسد أقدر من غيرك ، فتفرغ لشأني « 8 » واصرف اهتمامك إليّ واسمع ما اذكر به عند الأسد إذا رفع إليه ما يجري بيني وبين الخصوم وما يبدو من أم الأسد في حقي ، وما ترى من متابعة الأسد لها ومخالفته إياها في أمري ، واحفظ ذلك كله . فأخذ الشعهر ما أعطاه دمنة وانصرف عنه على هذا العهد فانطلق إلى منزله فوضع المال فيه . ثم إن الأسد بكر من الغد ، فجلس حتى إذا مضى من النهار ساعتان استأذن عليه أصحابه في الدخول فأذن لهم ، فدخلوا عليه ووضعوا الكتاب بين يديه . فلما عرف قولهم وقول دمنة دعا بأمه فقرأ عليها ذلك ، فلما سمعت ما في الكتاب نادت بأعلى صوتها : إن
--> ( 1 ) اشفاقا : خوفا . ( 2 ) الصفي : الصادق المودة . ( 3 ) وأحر قلباه : كلمة شكوى . ( 4 ) اكتنفه : أحاط به . ( 5 ) ذوي قرابتي : أقاربي . ( 6 ) ركني : سندي وعمدتي . ( 7 ) شطره : نصفه . ( 8 ) لشأني : لأمري .